محمد بن جرير الطبري

138

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فاغتسلوا فيه ، فخرجوا وقد خلصت ألوانهم ، فصارت مثل ألوان أصحابهم ، فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم ، فقال : يا جبريل من هذا الأشمط ، ومن هؤلاء البيض الوجوه ، ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء ، وما هذه الأنهار التي اغتسلوا فيها ، فجاءوا وقد صفت ألوانهم ؟ قال : هذا أبوك إبراهيم ، أول من شمط على الأرض ، وأما هؤلاء البيض الوجوه ، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم . وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا ، فتاب الله عليهم . وأما الأنهار ، فأولها رحمة الله ، والثاني نعمة الله ، والثالث سقاهم ربهم شرابا طهورا . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً . . . مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً يقول تعالى ذكره : يقال لهؤلاء الأبرار حينئذ : إن هذا الذي أعطيناكم من الكرامة كان لكم ثوابا على ما كنتم في الدنيا تعملون من الصالحات . وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً يقول : كان عملكم فيها مشكورا ، حمدكم عليه ربكم ، ورضيه لكم ، فأثابكم بما أثابكم به من الكرامة عليه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة قوله : إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً غفر لهم الذنب ، وشكر لهم الحسن . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر عن قتادة ، قال : تلا قتادة وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً قال : لقد شكر الله سعيا قليلا . وقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إنا نحن نزلنا عليك يا محمد هذا القرآن تنزيلا ، ابتلاء منا واختبارا . فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يقول : اصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه ، وتبليغ رسالاته ، والقيام بما ألزمك القيام به في تنزيله الذي أوحاه إليك . وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً يقول : ولا تطع في معصية الله من مشركي قومك آثما يريد بركوبه معاصيه ، أو كفورا : يعنى جحودا لنعمه عنده ، وآلائه قبله ، فهو يكفر به ، ويعبد غيره . وقيل : إن الذي عني بهذا القول أبو جهل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة ، قوله : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً قال : نزلت في عدو الله أبي جهل . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر عن قتادة أنه بلغه أن أبا جهل قال : لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن عنقه ، فأنزل الله : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً قال : الآثم : المذنب الظالم والكفور ، هذا كله واحد . وقيل : أَوْ كَفُوراً والمعنى : ولا كفورا . قال الفراء : " أو " هاهنا بمنزلة الواو ، وفى الجحد والاستفهام والجزاء تكون بمعنى " لا " ، فهذا من ذلك مع الجحد ؛ ومنه قول الشاعر : لا وجد ثكلى كما وجدت ولا * وجد عجول أضلها ربع أو وجد شيخ أضل ناقته * يوم توافى الحجيج فاندفعوا أراد : ولا وجد شيخ ، قال : وقد يكون في العربية : لا تطيعن منهم من أثم أو كفر ، فيكون المعنى في أو قريبا من معنى الواو ، كقولك للرجل : لأعطينك سألت أو سكت معناه لأعطينك على كل حال . القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ يقول تعالى ذكره : وَاذْكُرِ يا محمد اسْمَ رَبِّكَ فادعه به بكرة في صلاة الصبح ، وعشيا في صلاة الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ يقول : ومن الليل فاسجد له في صلاتك ، فسبحه ليلا طويلا ، يعني : أكثر الليل ، كما قال جل ثناؤه : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر